الثعلبي

56

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

قال : وذكر لنا أنّهما كانا لا يصيبان من الذنوب كما يصيبه سائر بني آدم . وقال وهب بن منبه : « لمّا ولد عيسى ( عليه السلام ) أتى الشياطين إبليس فقالوا : أصبحت الأصنام منكّسة ، فقال : هذا لحادث حدث ، وقال : مكانكم ، فطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئا ، ثم جاء البحار فلم يجد شيئا ، ثمّ طار أيضا فوجد عيسى قد ولد ، وإذا الملائكة قد حفّت حوله فلم يصل إليه إبليس فرجع إليهم ، فقال : إنّ نبيا قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلّا أنا بحضرتها إلّا هذه ، فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة « 1 » . فَتَقَبَّلَها : أي تقبل اللّه من حنّة مريم ورضيها مكان المحرر ، يقال : قبل ولأن الشيء إذا رضيه يقبله قبولا بالفتح مصدر ، مثل الزارع والزروع والقبول ، ولم يأت غير هذه الثلاثة ، والقياس الضم مثل الدخول والخروج ، قاله أبو عمرو الكسائي والأئمّة ، وقال بعضهم : معنى التقبّل : التكفّل في التربية والقيام بشأنها . وقال الحسن : قبوله إيّاها أنه ما عذّبها ساعة من نهار ولا ليل « 2 » . رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ : ولم يقل بتقبّل وهذا النوع يقال له : المصدر على غير المصدر . قال الفرّاء : مثل قولك تكلمت كلاما . قال الفطامي : وخير الأمر ما استقلّت فيه وليس بأن يتبعه اتباعا . وقال آخر : وإن مشيتم تعاودنا عوادا ، ولم يقل : تعاودوا . وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً : ولم يقل : إنباتا . جويبر عن الضحاك عن ابن عباس : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ يقول : سلك بها طريق السعداء وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً : يعني سوّى خلقها من غير زيادة ولا نقصان . وكانت تنبت في اليوم كمثل ما ينبت المولود في عام واحد . ابن جريج : أَنْبَتَها ربها في غذائه ورزقه نَباتاً حَسَناً حتى تمت امرأة بالغة تامة . وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا : قال المفسرون : أخذتها أمّ مريم حين ولدتها ، فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ، فوضعتها عند الأحبار أولاد هارون وهم يومئذ يكونون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة ، فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة فتنافس فيها الأحبار ؛ لأنّها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم ، فقال لهم زكريا : أنا أحقكم بها ؛ [ لأن ] عندي خالتها .

--> ( 1 ) قصص الأنبياء : 372 . ( 2 ) تفسير القرطبي : 4 / 69 .